في زاوية من زوايا الذاكرة القريبة، ليست بالبعيدة جداً، كانت عبارة "دي بنت ناس" تحمل وزناً اجتماعياً وأخلاقياً ثقيلاً. لم تكن هذه العبارة يوماً مرتبطة برصيد البنك، أو باسم العائلة، أو بنوع السيارة التي تقودها. كانت "بنت الناس" هي تلك الفتاة التي يسبقها حياؤها قبل خطواتها، تلك التي إن تكلمت أجبرت الجميع على الإنصات لأدبها، وإن صمتت تحدثت عيناها بالوقار.
ولكن، وفجأة، وكأننا استيقظنا في عالم موازٍ، انقلبت الموازين. بتنا نرى الشباب يضربون كفاً بكف ويسألون بذهول: "هو إيه اللي جرى؟". لماذا أصبح البحث عن فتاة تتمتع بتلك الصفات "الكلاسيكية" أشبه بالبحث عن عملة نادرة انقرضت من التداول؟
هل الزمن هو الذي تغير وقسى؟ أم أن الأخلاق هي التي ذابت في حرارة "التريند" وأضواء الهواتف الذكية؟ في هذا المقال التحليلي الشامل، وانطلاقاً من طرح قناة "فضفضة تيوب"، لن نكتفي بالوقوف على الأطلال والبكاء على الماضي. سنقوم بتشريح الواقع بجرأة، نغوص في الأسباب النفسية والاجتماعية لغياب القدوة، ونقدم طوق نجاة لكل فتاة لا تزال قابضة على الجمر في زمن الفتنة.
شاهد الفيديو الأصلي الذي أثار هذا النقاش المجتمعي الهام.
1. الحياء.. الرمز المفقود في معادلة اليوم
عندما نتحدث عن "الحياء"، لا نقصد فقط قطعة قماش تغطي الرأس، رغم أهميتها. الحياء كان "أسلوب حياة" (Lifestyle) قبل أن يكون مصطلحاً عصرياً. كانت البنت رمزاً للحياة لأنها كانت تستمد قوتها من حيائها. كان الحياء يظهر في نبرة الصوت المنخفضة دون ضعف، وفي المشية المتزنة دون تكبر، وفي طريقة التعامل مع الجنس الآخر بحدود واضحة وصارمة لكنها مغلفة بالذوق.
اليوم، وبفعل ضغوطات هائلة، تحول هذا المفهوم. أصبح الحياء يُفسر في قاموس العصر الحديث على أنه "ضعف شخصية" أو "انعدام ثقة".
![]() |
| كيف تغيرت نظرة المجتمع للحياء من تاج على الرأس إلى تهمة بالرجعية |
انقلاب المفاهيم: الفتاة المحترمة في قفص الاتهام
من أكثر الظواهر إيلاماً في عصرنا هذا، هو أن الفتاة الملتزمة والمحترمة هي التي أصبحت تشعر بالحرج من نفسها! لقد نجحت الآلة الإعلامية ومحتوى منصات التواصل في خلق حالة من "الإرهاب الفكري" ضد الفطرة السليمة.
- إذا تكلمت الفتاة بأدب واحترام، وُصفت بأنها "معقدة" وتعيش في قوقعة.
- إذا اختارت ملابس واسعة ومحتشمة لا تصف ولا تشف، قيل لها بتهكم: "مش ستايل" أو "أنتِ لسه عايشة في عصر جدتي؟".
- إذا رفضت الاختلاط غير المبرر أو العلاقات العابرة، اتُهمت بأنها "منغلقة" اجتماعياً.
هذا الضغط النفسي الهائل يجعل الفتاة "بنت الناس" تشك في نفسها. تسأل مرآتها كل صباح: "هل أنا الخطأ والجميع على صواب؟".
2. أزمة "الميكروفون".. من يربي بناتنا اليوم؟
لعل السبب الأكبر والأخطر، والذي نغفل عنه في زحام الحياة، هو غياب القدوة الحقيقية. في العقود الماضية، كانت "الأم" هي المدرسة الأولى، والجامعة التي تتخرج منها الفتاة بشهادة "ربة بيت" و"سيدة مجتمع" بمعناها الراقي. كانت الفتاة تستقي أنوثتها، حنانها، وطريقة إدارتها للأزمات من أمها وجدتها.
لقد حدث فراغ رهيب. انشغلت الأمهات بضغوط الحياة، أو ربما انشغلن هنَّ أيضاً بهواتفهن، فتركوا الساحة خالية. وكما تقول القاعدة الفيزيائية: "الطبيعة لا تقبل الفراغ". فمن الذي ملأ هذا الفراغ؟
ظهور "القدوة الرقمية" (The Digital Influencer)
بدلاً من الأم، المعلمة، أو السيدات الفضليات اللواتي كنا نراهن في الإعلام الهادف، ظهرت "البلوجر" و"الفاشونيستا" و"الإنفلونسر". المشكلة ليست في وجودهن، بل في المحتوى الذي يقدمنه والذي أصبح هو "المنهج الدراسي" غير الرسمي لبناتنا.
هؤلاء المؤثرات يرسلن رسائل ضمنية خطيرة جداً، غالباً ما تكون:
- أن قيمتكِ كأنثى تُقاس بعدد "اللايكات" و"المتابعين".
- أن الجمال ينحصر في "الفيلر" و"البوتوكس" والملابس المكشوفة.
- أن السعادة هي في "الخروج" و"الشراء" والاستهلاك المستمر.
![]() |
| عندما تتحول الشاشة إلى مربية بديلة.. هنا تكمن الكارثة |
3. فخ "الحرية المزيفة" ومعادلة الدمار
يتم ضخ شعارات براقة يومياً في عقول الفتيات: "كوني قوية"، "استقلي بذاتك"، "خدي حقك"، "عيشي بطريقتك". ظاهرياً، هذه دعوات لتمكين المرأة، ولا خلاف على حق المرأة في القوة والاستقلال. ولكن، الشيطان يكمن في التفاصيل، أو بالأحرى في التطبيق.
لقد تم تسويق "التمرد" على أنه "قوة شخصية"، وتسويق "الوقاحة" على أنها "صراحة"، وتسويق "التعري" على أنه "حرية جسدية". لقد نسوا أن يخبروا الفتاة بالشق الثاني من المعادلة:
الحرية الحقيقية هي أن تكوني حرة من عبودية نظرات الناس، حرة من عبودية "التريند"، حرة من أن يفرض عليكِ مصمم أزياء في باريس أو ميلانو كم سنتيمتراً يجب أن تكشفي من جسدك لتكوني "متحضرة". الحرية هي أن تملكي القدرة على قول "لا" للخطأ حتى لو فعله الجميع.
4. لماذا تتحرج "البنت المحترمة" وتفتخر "المتمردة"؟
هنا نصل إلى جوهر المأساة النفسية. في علم النفس الاجتماعي، هناك ما يسمى بـ "الدليل الاجتماعي" (Social Proof). البشر يميلون لتقليد ما يفعله الأغلبية لضمان البقاء والقبول. عندما تفتح الفتاة هاتفها وتجد أن "الأغلبية" (أو الصوت الأعلى) هن الفتيات الجريئات، المتمردات، اللواتي يكسرن القواعد، يبدأ عقلها في إرسال إشارات الخطر: "أنتِ مختلفة، إذاً أنتِ منبوذة".
أصبحنا في زمن:
- الفتاة المحترمة تخفي التزامها أو تخفف منه خوفاً من التنمر أو التجاهل.
- الفتاة المتمردة تتباهى بتجاوزاتها وتحصد التصفيق الرقمي.
من الذي قلب الموازين؟ إنه نحن. "اللايك" الذي نضعه، المشاهدة التي نمنحها للمحتوى التافه، الصمت عن الحق.. كلنا شاركنا في صنع هذا الوحش الذي يلتهم براءة بناتنا.
5. الأخلاق تحتاج إلى "حضن" لا إلى "محكمة"
نحن لا نقول إن كل البنات تغيرن، ولا نعمم السوء. على العكس، هناك ملايين الفتيات القابضات على دينهن كالقابضات على الجمر، وهن في جهاد حقيقي أعظم من جهاد السيوف. ولكن، حتى هؤلاء الفتيات يتألمن.
التعامل مع هذا التغير المجتمعي لا يكون بجلد الذات المستمر، ولا بنصب المحاكم للبنات، ولا بالصراخ في وجوههن. البنت كائن عاطفي بطبعه، إذا فقدت الاحتواء في المنزل، ستبحث عنه في الخارج، وغالباً ستجده عند ذئب بشري يرتدي قناع الحمل، أو في مجتمع افتراضي مزيف.
ما تحتاجه الفتاة اليوم:
- الحضن والأمان: تحتاج أن تسمع من أبيها وأمها أنها "جميلة" و"غالية" دون شروط.
- التأكيد على الهوية: تحتاج من يذكرها دائماً: "أنتِ لستِ غريبة.. أنتِ الأصل.. أنتِ الملكة في زمن الجواري".
- الستر كقيمة وليس كقيد: يجب أن تفهم الفتاة أن الحجاب والستر ليس مجرد أمر إلهي جاف، بل هو "عز" و"تكريم" وصيانة لجوهرة لا تقدر بثمن.
![]() |
| الستر ليس إخفاءً للجمال، بل هو إطار يحفظ اللوحة الثمينة |
6. رسالة إلى المجتمع: أوقفوا هذا النزيف
الأخلاق ضاعت وسط الدقيق، كما يقول المثل. الزمن ضغط، والقدوة غابت. إذا أردنا للمجتمع أن يتعافى، وإذا أردنا أن نرى "بنات ناس" يملأن البيوت دفئاً وتربية صالحة للأجيال القادمة، فلا بد من ثورة تصحيح.
يجب أن تعود "بنت الناس" لتتصدر المشهد. يجب أن ندعم المحتوى الذي يعزز القيم. يجب أن نكف عن جعل الحمقى مشاهير. المسؤولية جماعية:
- للأب: كن السند الأول لابنتك حتى لا تميل لأي ريح.
- للأم: عودي لمكانك كملكة متوجة في عين ابنتك، نافسي "ميمي بيوتي" بالحب والحكمة.
- للشاب: ابحث عن ذات الدين والأصل، ولا يغرنك بريق السوشيال ميديا، فالبيوت تُبنى بالأخلاق لا بالفلاتر.
❓ أسئلة تدور في ذهن كل فتاة (FAQ)
كلمة أخيرة.. من القلب
البنات لسن سيئات، ولكن الفتنة شديدة. هنّ ضحايا زمن مادي لا يرحم. هن بحاجة لمن يمسح على قلوبهن ويقول: "اثبتي.. فإن سلعة الله غالية".
لكل "بنت ناس" تقرأ هذا الكلام: لا تتغيري، ولا تنجرفي. أنتِ الأمل المتبقي لإصلاح هذا العالم. تمسكي بحيائك، فهو ليس ضعفاً، بل هو قوتك الخارقة في عالم أدمن التعري.
شارك هذا المقال مع كل أم، وكل أب، وكل فتاة.. لعلنا نكون سبباً في إيقاظ ضمير أو تثبيت قلب


.png)