تميز القرآن الكريم بدقته اللغوية البالغة في التعبير عن أدق المعاني وأشدها تأثيرًا. وعند الحديث عن الفواحش والمنكرات، نجد أن القرآن الكريم يستعمل ألفاظًا محددة تحمل دلالات عميقة تكشف عن درجات مختلفة من الإثم والجرم. في هذا المقال، سنتأمل ثلاثة ألفاظ استعملها القرآن الكريم لوصف العلاقات المحرمة وهي: "غير مسافحين ولا متخذي أخدان"، و"بغية"، و"الزنا"، محاولين فهم الفروقات اللغوية والدلالية بينها وأبعادها الشرعية.
"غير مسافحين ولا متخذي أخدان": نقاء العلاقة ورفض الخيانة
في سياق الحديث عن المحرمات في النكاح، يقول الله تعالى: "غير مسافحين ولا متخذي أخدان" (النساء: 25). هذه الآية تضع ضوابط واضحة للعلاقات بين الرجل والمرأة.
- غير مسافحين: "المسافحة" لغةً تعني السفح وهو الصب، ويُقصد بها هنا الممارسة العلنية للفاحشة دون ستر أو حياء، أو الإقامة على الزنا كما سيأتي بيانه لاحقًا. هذا اللفظ يشير إلى حالة من المجاهرة بالمعصية وعدم الاكتراث بحدود الله.
- ولا متخذي أخدان: "الأخدان" هم الأصحاب أو الأصدقاء السرّيون من الجنس الآخر، الذين يقيم معهم الشخص علاقات محرمة في الخفاء. هذا اللفظ يدل على الخيانة الزوجية ونقض العهد، حيث يقيم أحد الزوجين علاقة غير شرعية مع شخص آخر سرًا.
هذا الجزء من الآية يؤكد على أهمية نقاء العلاقة الزوجية ورفض أي شكل من أشكال الفجور العلني أو الخيانة السرية.
"وما كانت أمك بغية": تجاوز الحدود والإصرار على الفجور
في قصة مريم عليها السلام، عندما اتهمها قومها بالإتيان بالفاحشة، قالوا: "يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغية" (مريم: 28). هنا استعمل القرآن الكريم لفظ "بغية" لوصف المرأة الفاجرة.
لغويًا، "البغاء" هو الفجور، و"بغى في الأرض" أي فجر فيها وتجاوز ما ليس له من الحدود مرات كثيرة مع الإصرار على ذلك. فالبغاء في الزنا يشير إلى الاستمرار في فعل الزنا مرات متكررة والإصرار عليه واحترافه.
وفي سياقات أخرى، استعمل القرآن الكريم لفظ "بغى" بمعنى تجاوز حدود الله وشرعه، كما في قوله تعالى عن قارون: "إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم" (القصص: 76). وأيضًا في قول يوسف عليه السلام: "ولم أك بغيًا" (يوسف: 23)، أي لم أكن فاجرًا على حدود الله مصرًا على الفجر.
كما استعمل في سياق الإصلاح بين المؤمنين: "فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" (الحجرات: 9)، أي حتى تكف عن تجاوز حدود الله وتعود لشرعه وأوامره.
من هنا نفهم أن شرط "البغي" هو التكرار والإصرار على تجاوز حدود الله وشرعه، سواء كان ذلك في الزنا أو في غيره من المعاصي.
"ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا": أدنى درجات الإثم
يقول الله تعالى: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا" (الإسراء: 32). هنا استعمل القرآن الكريم لفظ "الزنا" ونهى عن قربانه، أي عن كل ما يؤدي إليه من أسباب ووسائل.
تعريف الزنا هنا هو الوضع بدون عقد شرعي، ويسمى زنا ولو وقع لمرة واحدة. ولذلك استعمل المولى عز وجل صيغة النهي عن القرب ("ولا تقربوا") للدلالة على خطورة هذا الفعل وأهمية الابتعاد عن كل ما يوصل إليه، حتى لا يقع فيه الإنسان ولو لمرة واحدة.
ترتيب درجات الإثم: الزنا، البغاء، السفاح
بناءً على الاستعمال القرآني لهذه الألفاظ، يمكننا أن نستنتج ترتيبًا لدرجات الإثم في العلاقات المحرمة:
- الزنا: هو أدنى هذه الدرجات، ويشمل الوقوع في الفاحشة ولو لمرة واحدة.
- البغاء: هو الاستمرار في الزنا وتكراره مرات عديدة مع الإصرار عليه واحترافه، وهو أشد وطأة من الزنا المنفرد.
- السفاح: هو الإقامة على الزنا، أي أن يعيش الرجل والمرأة حياة الأزواج بدون عقد شرعي، وهو الأشد إثمًا والأكثر مجاهرة بالمعصية.
خاتمة:
إن تدبرنا لهذه الألفاظ القرآنية يكشف لنا عن دقة الشريعة الإسلامية في وصف المحرمات وبيان درجات الإثم فيها. فالقرآن الكريم لم يستعمل هذه الألفاظ عبثًا، بل كل لفظ يحمل معنى ودلالة خاصة تكشف عن قبح الفعل وخطورته. إن فهمنا لهذه الدلالات اللغوية يعزز فينا الوعي بخطورة هذه الفواحش ويدفعنا للابتعاد عنها والتمسك بشرع الله تعالى حفاظًا على طهارة المجتمع وسلامة الأفراد.
هذا والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
